
من الغرائب والعجائب في الحياة اليومية العادية لأهل السودان.. عادة أو مجموعة عادات لا اعرف كيف أستطيع أن أعبر عنها بمفردة واحدة كافية ووافية، حيث لا أدري هل هو احتفاء، أم هو عظة، أم هو حزن، أم غيره…
و لن أرجع كثيراً للوراء، فقط دعوني أحدثكم عما ترونه وماثل أمامكم الأن و بشكل واضح في الوسائط.. قروبات الأسر والأهل أو المنطقة أو حتى القروبات العامة الفيسبوك و مجموعاته والواتساب وغيرها .. تجد أن أكثر المواضيع التي يتفاعل معها الجميع هو (الموت). فما أن ينعي الناعي أحدهم حتى تجد الجميع مشاركاً بالدعاء للمرحوم.. لن تجد موضوعاً أو طرحاً يتفاعل معه الجميع سوى (الموت) مهما كانت اهمية الموضوع وتعلقه بحياة الناس لن تجد تفاعلا مثل تفاعلهم مع ( ابوي مات) مثلاً.. مباشرة وفي وقت وجيز ستجد كل القروب في لحظات يتفاعل مع الخبر.. و يبدي عبارات الحزن و المأثور وغير المأثور من الدعوات للمتوفي…
الأعجب من ذلك أن هذه المشاركات ليست مجرد مشاركات سطحية، بل تكاد تكون اندفاعاً جماعياً تعليقات، صور سوداء، آيات قرآنية، دعوات مكتوبة ومنسوخة من (قروبات أخرى) واحيانا يحتفظ البعض بملصقات جاهزة لمثل هذا الخبر وما عليه إلا اللصق ، أحياناً قصص قصيرة عن المرحوم كأن الموت عندنا هو المحفل الوحيد الذي يحضره الجميع بلا دعوة، ويجلسون فيه على مقاعد أمامية بقلوب مفتوحة.
وفي بيوت العزاء نفسها ترى هذا الجمهور.. يجلسون صفوفاً كأنهم في إستاد، يراقبون الداخل والخارج، يقيسون الدموع، يرخون السمع للاصوات الباكية، وكلما علا صوت (الجعير ) يقفز السؤال المعتاد ، (دا منو)؟؟ … (ببقى ليهو شنو)؟؟
و في كثير من الاحيان يكون البكاء و(الجعير) فيه تمثيل و إدعاء الحزن , بل ودعوته للقدوم..!!!
احياناً (رجال الفراش) يتبادلون نظرات خفية وقد تظهر تعليقات من نوع (فلان ما جاء مالو؟؟)
سويعات ويتحول ( بيت البكاء) الي مكان للأنس والضحكات والنقاش في الكورة والسياسة..و الاكل و الشراب ووو ووو والفرح والحزن نكرم الضيوف ونفرش الموائد بذات البذخ ..
اما التعليقات في مكان النساء فهو قصة اخري ، اهم مافيها ان اهل المتوفي من النسوة على سبيل المثال الزوجة وبصورة محيرة يمكنها ان تستحضر جميع النساء والمعارف و الجيران الذين اتوا في اللحظة الاولي ومن تأخرن ومن لم تحضر ويفتحن ابواب (اللوم) فلانة جاءت وعلانة لم تجئ .. استغرب كيف يمكنهن في هذه اللحظات الحزينة تمييز من حضرت عمن لم تحضر وتعزي.. و في السنوات الاخيرة اصبحت بيوت العزاء مجالا لعروض الأزياء و(الفشخرة)…شعب غريب…
ومن الطرائف التي تُحكى ويقال إن صاحبها به (مكشكش) أنه رأى مجموعة من الناس يتزاحمون حول (كشف العزاء) وهو ذلك الدفتر المخصص لتسجيل المساهمات المالية لإقامة المأتم من مأكل ومشرب، فقال لهم ساخراً:
(المرحوم دا لو جمعتوا ليهو القروش دي وهو حي ما كان مات ذااتو ؟؟!! راقد مرضان سنة ما لاقي العلاج!!! جايين بعد ما مات تدفعوا الكشف الله يكشف حالكم)…
فكانت كلماته مثل صفعة أيقظت البعض للحظة، لكنها سرعان ما ضاعت وسط زحمة الجمهور وحماس العزاء… واحسبه اعقلهم وكلامه به حكمة و عظة لمن يتعظ ..
تستوقفتي كثيراّ الٱيات التي تذكر فيها معاني الموت والحياة و تجد فيها ان الموت في معانيه سابق للحياة ..إلا ان الآية التالية :
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)
الآية الثانية من سورة الملك تستوقفني اكثر وفيها ليس فقط ان الموت في الآية سبق الحياة بل ان كلاهما ابتلاء واختبار … والموت في القران يسبق الحياة في النصوص وحتى في الكلام العادي …
ما بهمني هنا هو بقاء الحضور طاغياً عند الموت.. وهو وحده الذي يوحدنا، يذيب ما بيننا من خصومات، يجمعنا تحت سقف واحد ولو لثلاثة أيام.
لكن.. هل نحن حقاً نحزن؟ أم أننا نحضر فقط لنؤكد أننا (كنا موجودين)؟ وضمن الحضور بل حضرنا الدفن ، هل نحن جمهور حقيقي يتألم لفقد إنسان، أم أننا مجرد متفرجين في مسرحية دائمة العرض عنوانها (الموت في السودان)؟؟؟
والموت عندنا طقوسه عديدة وكثيرة ثم، صارت تتناقص مع كثرة الموت و اسبابه فكانت الطقوس في زمن سابق :-
يوم البرود ، يوم زح العنقريب ، يوم الزِّيانة، يوم التالتة ، يوم الخمسطاشر ، يوم الاربعين ، يوم الكسر، هذا ما استحضره الٱن وكثير سقط من الذاكرة ..
لا ادري لماذا المناسبات المرتبطة بالموت في حياتنا كثيرة؟؟..
بينما لا نحتفي بالحياة مطلقاً ؟؟
ومظاهر الاحتفاء بالزواج او ميلاد طفل او بداية حياة جديدة طقوسها اقل بكثير من الموت.
الغريب أن جمهور الموت عندنا لا يكلّ ولا يملّ.. ينتقل من عزاء إلى آخر كأنها جولة جماهيرية. ووسط هذا الجمهور، يظل الموت هو النجم الأول، البطل المطلق، الوحيد الذي يحصد التعليقات، الوحيد الذي يوقف الزمن عندنا جميعاً ولو قليلاً.
الموت عندنا هو الموضوع الذي لا منافس له في عدد التعليقات ، ربما لانه أصدق (هاشتاق )؟؟؟
لكن يبقى السؤال:-
ماذا لو صرفنا نصف هذا الحماس للحياة؟ ماذا لو اجتمعنا بذات الاندفاع من أجل مريض يحتاج دواء، أو فقير يحتاج مأوى، أو شاب يبحث عن عمل؟
و ما احوجنا لهذا الامر في هذه الظروف القاهرة و ربما وقتها نصبح جمهور حياة، لا جمهور موت فقط.
محدثكم محب للحياة وأسأل الله ان يمد عمري في الخير و البذل والعطاء رغم الفقر والمرض والاعاقة والحرب السودانية السودانية.
و ختاماً لا للحرب و الف لا للحرب ونعم لحياة الأمن و السلام والخير والنماء والعطاء والرفاهية والجمال.



